ردت.
أيوه؟
جالها صوت مديرة الشؤون القانونية
مدام حسنية لقينا حاجة.
حسنية اعتدلت في قعدتها.
إيه؟
أحمد منصور اشتغل عندنا تلاتاشر سنة.
حسنية عقدت حواجبها.
طيب ليه مشي؟
سكت الطرف التاني ثواني.
هو ما مشيش.
حسنية اتجمدت.
أمال؟
اتفصل.
مين اللي فصله؟
جاء الرد
وكان كفيل إنه يغير كل حاجة.
ابن أخو حضرتك ياسر البدري.
حسنية ضغطت بإيدها على الكوفية الصفراء.
ياسر البدري
كان هو نفسه اللي على بُعد أيام من إنه يمسك منصب المدير العام لمجموعة البدري كلها.
لكن حسنية لم تكن تعرف أن قرار فصل أحمد لم يكن مجرد ظلم عادي
وأن وراءه سرًا قديمًا يمكن أن يهز إمبراطورية كاملة.
مرّت ثلاثة أيام على الواقعة في البيت الدمشقي.
خلال تلك الأيام، كانت عجلة الزمن تدور بسرعة مذهلة داخل إمبراطورية البدري. حسنية لم تقل كلمة واحدة لياسر ابن أخوها، تركته يتحرك بكامل ثقته نحو اجتماع مجلس الإدارة الحاسم، وهو الاجتماع الذي كان مقرراً له أن يُعقد لتنصيبه رسمياً رديراً عاماً ومسيطرًا مطلقاً على المجموعة بفضل توقيعات الأغلبية التي جمعها بالضغط والمجاماملات.
في المقابل، كان أحمد يصارع يومه كالمعتاد.
صحا من الصباح الباكر، أوصل نور إلى المدرسة، ثم تلقى اتصالاً غريباً من شركة تجارية كبرى تطلب منه بشكل عاجل صيانة نظام التبريد المركزي في المقر الرئيسي لمجموعة البدري، مع إصرار شديد على أن يكون هو الفني بنفسه نظراً لخبرته القديمة التي تم تداولها في السوق.
رغم تردده، وافق. كان بحاجة ماسة للمقابل المادي لدفع متأخرات الإيجار.
في قاعة الاجتماعات الكبرى
كان الطابق الأخير من برج البدري يعج برجال الأعمال والصحافة المصغرة والمستثمرين.
ياسر البدري، ببدلته الأنيقة وساعته الباهظة، كان يقف على المنصة يلقي كلمة الحفل والترشيح، بينما تجلس عمته حسنية في صدر الطاولة، مرتدية بالطوها الأسود الأنيق، وهادئة بشكل مرعب.
في نفس اللحظة، كان أحمد يرتدي ملابس العمل الزرقاء، ويحمل حقيبة عدته، يدخل من مدخل الخدمة إلى غرفة التحكم الخاصة بأنظمة التبريد في البدروم، ليفاجأ بوجود عطل مصطنع في اللوحة الرئيسية. عطل خبيث لا يحدث صدفة، بل يبدو كأنه تم العبث به متعمداً، تماماً مثلما كان يحدث في الماضي.
وقف أحمد أمام الأسلاك المعقدة، وذكريات تلاتاشر سنة قضاها في هذا المكان تتسابق في عقده.
تذكر يوم تم اتهامه باطلاً بالإهمال في صيانة تلاجات المخازن الكبرى، وهو القرار الذي وقعه ياسر البدري بنفسه للإطاحة به وتغطية خسائر صفقات مشبـ,ـوهة أبرمها ياسر من وراء ظهر الشركة.
تذكر نظرة الخذلان يومها، وكيف طُرد دون حتى فرصة للدفاع عن نفسه.
وفي الطابق العلوي، وصل الاجتماع إلى ذروته.
وقف ممثل الشؤون القانونية ليعلن
والآن، يُرجى من السيد ياسر البدري التوقيع على اعتماد الميزانية النهائية والتفويض الإداري الكامل…
قبل أن يلمس ياسر القلم، انفتح باب القاعة بقوة.
لم يكن الحارس، ولم يكن موظف أمن، بل دخلت حسنيّة البدري وهي تحمل في يدها ملفاً جلدياً قديماً، وبجانبها شخص لم يتوقعه ياسر أبداً.
دخل أحمد منصور، بملابسه المهنية البسيطة، ممسكاً بلوحة تحكم صغيرة من غرفة التبريد، وعلى وجهه ابتسامة هادئة وثابتة.
شحب وجه ياسر. وقف مرتجفاً.
عمتي… إيه اللي بيحصل هنا؟ ومين جاب العامل ده؟
حسنيّة وقفت، واتجهت ببطء نحو المنصة. صوت كعب حذائها كان يطرق الأرضية برخامة.
ده مش مجرد عامل يا ياسر، ده الشاهد الحي على أول جـ,ـريمة سـ,ـرقة وإهمال ارتكبتها في حق الشركة دي من تسع سنين، لما لفقت له تهمة عشان تخبّي عجز تلاجات التصدير اللي بعتها لشركات وهمية لحسابك الخاص.
صرخ ياسر بهستيريا
كلام فارغ! دي خرافات! الست دي خرفت، والعامل ده جاي يشوه سمعتنا! امنعوهم!
لكن الأمن لم يتحرك. لأن حسنية رفعت يدها بإشارة واحدة جعلت الجميع يصمتون تماماً.
فتحت حسنيّة الملف، وأخرجت ورقة قديمة متهالكة، وقالت بصوت قوي هز أركان القاعة
التسع سنين اللي فاتوا كنت فاكرة إن إدارتي بتضعف لوحدها، وكنت بلاقي أعطال مفاجئة ومخازن بتلف… لكن النهاردة، لما سمعت نفس صوت الإنذار في البيت الدمشقي، ولما شوفت أسلوب أحمد في التعامل مع الأزمة من غير تخمين ولا خوف، فهمت حاجة واحدة الإنذار الحقيقي عمره ما بيخدعنا، إحنا بس اللي بنختار نتجاهله.
التفتت نحو ياسر وقالت بحسم قاطع
ومجلس الإدارة النهاردة لن يتجاهل الإنذار أبدًا.
الخاتمة
بعد أسبوع واحد فقط، تغيّر وجه المكان تماماً.
لم تعد مجموعة البدري تُدار بالفساد، بل أُعيد هيكلتها بالكامل. تم تعيين أحمد منصور رئيساً تنفيذياً لقطاع الجودة والصيانة والتبريد في المجموعة كلها، براتب يضمن له ولابنته حياة كريمة ومستقرة تليق بخبرته وشرفه الذي حاولوا طمسه طويلاً.
وفي أحد الأمسيات الباردة، في نفس الزاوية ب البيت الدمشقي، كانت نور تجلس بجانب والدها السعيد.
وعند الشباك، كانت الحاجة حسنية تشرب القهوة معهما، تضحك على مزحة بريئة أقتها نور، بينما وضعت نور الكوفية الصفراء على كتفها باعتزاز.
أدرك أحمد أن الحياة أحياناً تسـ,ـرق منا كل شيء، لتعطينا في النهاية أكثر بكثير مما حلمنا به… فقط لأننا وقفنا بجانب شخص محتاج، من غير ما نعرف، ومن غير ما ننتظر المقابل.
