فقد شغله وقف جنب ست عجوز محتاجة من غير ما يعرف إنها مليارديرة
الجزء الأول
يا حاجة، يا إما حضرتك تطلبي حاجة، يا إما تسيبي الترابيزة لزبون هيطلب ويحاسب.
رفعت الست العجوز عينيها ببطء.
كانت عينيها وارمة من العياط، وإيدها بتترعش وهي ماسكة المنيو.
كان صباح نوفمبر بارد، والهواء في شوارع القاهرة بيخلي الناس ماشية بسرعة، كل واحد مستخبي في هدومه وعايز يوصل قبل ما البرد يزيد.
جوه كافيه صغير في مصر الجديدة اسمه البيت الدمشقي، ريحة القهوة السادة، والعيش السـ,ـخن، والمخبوزات طالعة في المكان كله.
لكن محدش كان واخد باله من الست اللي قاعدة لوحدها جنب الشباك.
شعرها أبيض، ولابسة بالطو أسود قديم أكبر من مقاسها، ووشها عليه ملامح واحدة قضت ليلة كاملة وهي بتعيط.
محدش اهتم بيها
إلا بنت صغيرة عندها تمن سنين.
بابا
بص لها والدها.
نعم يا حبيبتي؟
أشارت ناحية الست العجوز وهمست
الست دي بتترعش.
حط والدها الشوكة من إيده.
اسمه أحمد منصور، عنده أربعين سنة، ومن يوم ما مراته مـ,ـاتت من السـ,ـرطان وهو اللي بيربي بنته نور لوحده.
بقاله تلات سنين شايل البيت لوحده.
وقبلها بشهور، خسر شغله اللي قضى فيه أكتر من تلاتاشر سنة فني صيانة تلاجات وثلاجات عرض ومعدات تبريد للمحلات والمطاعم.
من ساعتها وهو بيشتغل أي حاجة تيجي قدامه.
يوصل طلبات.
يصلح تلاجات في البيوت.
يمسك شغلانة
يومين هنا ويومين هناك.
المهم آخر الشهر يعرف يدفع الإيجار ويحط أكل في البيت.
في اليوم ده، كل اللي كان في جيبه كان تلتمية وعشرين جنيه.
والفطار اللي قدامه هو وبنته كان يعتبر رفاهية بالنسباله.
بيضتين.
طبق فول.
بطاطس.
وتلات أرغفة عيش.
أحمد كان بيقول لنور إنه مش جعان
بس الحقيقة إنه كان سايب لها نص أكله عشان تشبع.
فجأة، صوت مديرة الكافيه، سلوى، قطع تفكيره.
كانت واقفة قدام الست العجوز وحاطة إيديها على وسطها.
معلش يا حاجة، بس الترابيزة دي للزبائن.
حضرتك بقالك شوية قاعدة من غير ما تطلبي حاجة.
الست بصت لها بتعب.
أنا بس محتاجة أقعد كام دقيقة.
سلوى ردت ببرود
يا حاجة ده مش دار مسنين ولا جمعية خيرية. لو سمحتي يا إما تطلبي حاجة يا إما تسيبي المكان.
الست نزلت عينيها.
قفلت المنيو بهدوء.
وبإيدين بتترعش، بدأت تقفل زرار بالطوها.
وبعدين قامت.
نور بصت لأبوها.
بابا
أحمد فهم نظرتها.
كان عارف النظرة دي كويس.
نفس النظرة اللي كانت أمهّا بتبص بيها زمان.
نظرة فيها طيبة
بس وراها إصرار يخلي الواحد يعمل حاجة حتى لو الظروف كلها ضده.
يا حاجة.
الست وقفت.
أحمد شد كرسي جنبهم.
اتفضلي اقعدي معانا.
سلوى بصت له بضيق.
أستاذ أحمد، هي لسه ما طلبتش حاجة.
أحمد بص لها بهدوء.
دلوقتي قاعدة على ترابيزة إحنا دافعين حسابها.
حضرتك ما ينفعش تحول الفطار بتاعك لمساعدة مجانية لكل حد يدخل هنا.
أنا ما طلبتش أكل زيادة.
وبالفعل، أحمد مسك طبقه.
قسم الأكل قدامه بهدوء.
حط جزء صغير لنفسه.
وجزء لنور.
وحط أكبر نصيب قدام الست.
نور من غير ما تتكلم، حط لها رغيف عيش.
وبعدين خلعت الكوفية الصوف الصفراء اللي كانت لابساها.
خدي دي كمان.
الست هزت راسها بسرعة.
لأ يا حبيبتي، خليها معاكي.
نور ابتسمت.
أنا مش بردانة.
أحمد بص لها.
كان عارف إنها بردانة فعلًا.
لكنها كانت مصممة.
خديها يا حاجة.
الست مسكت الكوفية.
ربنا يخليكي يا بنتي.
نور سألتها
اسمك إيه؟
ابتسمت الست لأول مرة.
اسمي حُسنية.
وأنا نور.
أحمد قال
وأنا أحمد.
حسنية أخدت أول لقمة.
وفجأة، عينيها دمعت.
نور اتوترت.
الأكل وحش؟
ضحكت حسنية وسط دموعها.
لأ يا حبيبتي.
وبصت ناحية ترابيزة فاضية جنب الشباك.
ابني كان بيقعد هنا.
أحمد سكت.
حسنية كملت بصوت مكسور
النهارده كان هيتم خمسين سنة.
بلعت ريقها.
كل سنة في عيد ميلاده كنا بنيجي هنا. كان دايمًا يطلب بان كيك بالتوت مع إنه كان بيقول إنه أوحش بان كيك داقه في حياته.
ضحكت ضحكة صغيرة وسط دموعها.
نور قربت منها.
ماما كمان مـ,ـاتت.
أحمد بص لبنته بسرعة.
نور نادرًا ما كانت بتتكلم عن أمها قدام حد غريب.
لكنها كملت
كان عندي خمس سنين.
وبصت لأبوها.
بابا لسه بيعمل لي بان كيك في عيد ميلاد ماما.
حسنية ابتسمت.
وبيطلع حلو؟
نور ضحكت.
لأ.
أحمد اعترض
يا بنتي!
بيتحـ,ـرق أوي.
حسنية ضحكت من قلبها.
ولثواني، الجو كله اتغير.
لكن فجأة
بييييب!
صوت إنذار عالي قطع الكلام.
لمبة حمرا بدأت تومض فوق تلاجة العرض اللي فيها الحلويات واللبن والمنتجات اللي محتاجة تبريد.
سلوى جريت وطفت الإنذار بسرعة.
لكن أحمد كان بص للتلاجة.
قرب منها.
بص على الشاشة.
الحرارة تمانية وتسعين فهرنهايت؟
سلوى ردت بسرعة
أكيد الباب اتساب مفتوح.
أحمد هز راسه.
لأ.
قرب أكتر.
سمع صوت الموتور.
وبص تحت التلاجة.
كان فيه مية متكثفة.
التلاجة فيها عطل.
سلوى بصت له من فوق لتحت.
كانت هدومه بسيطة، وجاكيت قديم باين عليه إنه بتاع شغل توصيل.
وإنت عرفت منين؟
أحمد رد بهدوء
أنا اشتغلت في صيانة التبريد التجاري تلاتاشر سنة.
سلوى اتفاجئت.
اشتغلت؟
الكلمة لوحدها كانت كفاية.
أحمد فهم المعنى.
الناس أول ما تشوفه دلوقتي بتشوف عامل توصيل.
ومحدش بيفكر يسأل هو كان مين قبل كده.
قال
لازم تقيسوا درجة حرارة الأكل بنفسكم. لو المنتجات دي بقالها وقت طويل على الدرجة دي، ما ينفعش تتقدم للزبائن.
سلوى ردت
عندنا إجراءات يا أستاذ.
أحمد قال
يبقى طبقوا الإجراءات.
بنت صغيرة من العاملين اسمها سارة دخلت في الكلام
أنا ممكن أقيس اللبن.
سلوى تنهدت.
ماشي، قيسي.
سارة جابت الترمومتر وحطته في عبوة اللبن.
استنت.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
تمانية وأربعين.
المكان كله سكت.
أحمد قام من مكانه.
كل حاجة قابلة للتلف تتحط فورًا في التلاجة الرئيسية. وسجلوا الساعة ودرجة الحرارة.
بص لسلوى.
ومحدش يقدم أي حاجة من التلاجة دي لحد ما فني صيانة يكشف عليها.
في نفس اللحظة، الإنذار اشتغل تاني.
بييييب!
وش سلوى اصفر.
العاملين بدأوا يطلعوا المنتجات بسرعة.
وحسنية كانت بتبص لأحمد باهتمام شديد.
قالت له
إنت كنت عارف العطل من أول ما سمعت الصوت؟
أحمد هز راسه.
لأ.
أمال عرفت إن فيه مشكلة إزاي؟
ابتسم.
لما الإنـ,ـذار يضـ,ـرب، ما ينفعش نخمن. لازم نوقف ونراجع.
وسكت لحظة.
الإنذار معمول عشان يحذرك مش عشان يخليك تألف إجابة.
حسنية فضلت باصة له.
كأن الجملة دي علقت في دماغها.
وفي اللحظة دي، باب الكافيه اتفتح بعنف.
دخل راجل لابس بدلة غامقة، ووشه عليه علامات القلق.
أول ما شاف حسنية، أخد نفس طويل براحة.
يا مدام حسنية! أنا بدور عليكي من الصبح!
سلوى اتجمدت مكانها.
بصت للراجل.
وبعدين لحسنية.
وبعدين عينها وقعت على صورة قديمة معلقة جنب الكاشير.
صورة لست شابة واقفة جنب رجل في التلاتينات قدام أول فرع من سلسلة سوبر ماركت ضخمة.
وتحت الصورة مكتوب
حسنية وعبد الرحمن البدري مؤسسا مجموعة البدري.
الكافيه نفسه كان تابع لمجموعة البدري.
وحسنية
كانت المالكة الفعلية للمجموعة.
الست اللي سلوى كانت من شوية بتطلب منها تسيب المكان
كانت من الناس اللي توقّع بشكل غير مباشر على مرتبات العاملين في المبنى كله.
سلوى قربت منها بسرعة.
يا مدام حسنية والله أنا ما كنتش أعرف حضرتك مين.
حسنية لمست الكوفية الصفراء اللي لسه نور كانت مديها لها.
وقالت بهدوء
ودي كانت المشكلة.
سلوى سكتت.
حسنية بصت حوالين المكان.
كام واحد عاملتوه بالطريقة دي عشان افتكرتوا إنه مش معاه فلوس؟
سلوى فتحت بوقها.
لكن مفيش كلمة خرجت.
أحمد كان في الوقت ده بيجمع الأطباق.
حسنية نادته.
يا أستاذ أحمد معاك كارت؟
أحمد طلع كارت صغير من جيبه ومده لها.
كان مكتوب عليه
أحمد منصور
صيانة وإصلاح معدات التبريد
حسنية قرأت الاسم.
وفجأة
ملامح وشها اتغيرت.
تغير بسيط جدًا.
كأن اسم أحمد منصور حرّك حاجة قديمة كانت مدفـ,ـونة في ذاكرتها.
بعد كام ساعة
كانت حسنية قاعدة في عربيتها، والكوفية الصفراء لسه على كتفها.
طلعت موبايلها واتصلت بمديرة الشؤون القانونية في الشركة.
عايزاكي تبحثي لي عن شخص.
مين يا مدام حسنية؟
بصت للكارت اللي في إيدها.
أحمد منصور.
بعد ساعتين بس
تليفونها رن.