الفصل الأول هدوء ما قبل العاصفة
رجعت أراجع الأشعة التي بين يدي كأن شيئًا لم يكن. كنت قد أتممت معظم ترتيبات السفر بالفعل؛ الشقة الصغيرة المطلة على بحر الإسكندرية تم استئجارها رسميًا بفضل مساعدة زميلة قديمة في المستشفى، وعقد العمل الجديد أصبح في درج مكتبي الخاص، وجميع أوراق نقلي جرى اعتمادها من وزارة الصحة وسلطات الاختصاص. لم يتبقَ سوى ساعات معدودة لتفريغ ما تبقى من متعلقاتي الشخصية في شقة الزمالك.
في تمام الساعة الثامنة مساءً، فتح يوسف باب الشقة. دخل وهو يفك عقدة رقبته ويُلقي بمفاتيح سيارته على الطاولة بصوت مرتفع.
رائحة عطره المميزالذي كنت أحبه يومًا وأكرهه الآنملأت المكان.
مريم! لسه صاحية؟ التعب ده كله عشان المستشفى؟
نظر إليَّ بنصف عُين، بينما كان يتجه نحو المطبخ ليفتح ثلاجة المشروبات. لم يكن يرى سوى ما يريد رؤيته؛ كان محاطًا بهالة من الأنانية المُطلقة التي تجعله يظن أن العالم بأسره يدور في فلكه، وأنني مجرد كائن ثابت في المكان، ينتظر عودته بفارغ الصبر.
خلصت شغل بدري النهارده، يوسف، قلت أراجع شوية ملفات.
رد وهو يرتشف جرعة من الماء
كويس، كويس.
على فكرة، كنت النهارده في مشوار سريع ومرّيت على محل الفساتين عارف إنك مشغولة، فحبيت أريحك وأخلص من الحكاية دي.
رفعت عيني ببطء من فوق أوراقي، وتأملت وجهه الذي كان يحمل ابتسامة باهتة لا تقنع أحدًا.
اه؟ ومين كان معاك يا يوسف؟
تغيرت ملامحه للحظة، وبدت على وجهه علامات الارتباك السريع، لكنه تدارك الأمر بسرعة مُعتادة
ها؟ آه، سارة! كانت بالصدفة في نفس المنطقة، وقالت تفيدني برأيها في تنسيق الألوان، تعرفي إن ذوقها في الحاجات دي كويس.
لم أجب. تركته يتحدث وهو يحاول تبرير ما لا يُبرر.
كنت أراه بوضوح تام، كأنني أنظر من خلال زجاج شفاف؛ الرجل الذي أمامي لم يعد شريك حياتي، بل ظلًا لشخص تخليت عن حبه قبل أن أتخلي عنه رسميًا.
الفصل الثاني ليلة الوداع الأخير
قبل ليلة واحدة من موعد سفري المُعلن، كان يوسف قد أخبرني بأنه سيمضي الليل كله في مناوبة طارئة بالمستشفى. فرصة ذهبية لم يكن يحلم بها لتنفيذ خطته القادمة، ربما ليكون بحرية أكبر مع سارة، أو ربما لأنه استخف تمامًا بقدرتي على الملاحظة.
في منتصف الليل، بدأتُ في تنفيذ خطوتي الأخيرة.
حقيبتان كبيرتان فقط كانتا كافيتين لجمع ما يعنيني حقًا دفاتري الطبية القديمة، هدايا أمي الراحلة، وبعض الثياب العملية التي تناسب حياتي الجديدة في الإسكندرية. أما بقية الأثاث والهدايا المشتركة، فقط تركتها كما هي خلفي، شاهدة على أربع سنوات ضائعة من العمر.
وقفتُ للمرة الأخيرة أمام تقويم العد التنازلي المُعلق على جدار المطبخ. الرقم الذي كان يشير إلى 29 يومًا أصبحت أشطبه الآن بالقلم الأحمر العريض، ولم أكتب شيئًا مكانه. العد التنازلي انتهى قبل أوانه، والتاريخ الذي كان محفورًا على بطاقات الدعوة أصبح مجرد حبر على ورقة بلا قيمة.
خرجت من شقة الزمالك في تمام الساعة الثالثة فجرًا.
كان المطر يهطل بخفة، تغسل قطراته شوارع القاهرة التي شهدت بداية قصتنا ونهايتها. ركبت السيارة التي تنتظرني في الأسفل، وانطلقت نحو الطريق الصحراوي. لم ألتفت وراءي قط.
الفصل الثالث الصباح الذي لم يحضره أحد
في صباح اليوم التالي، وهو نفس اليوم الذي كان مفترضًا أن يكون يوم زفافنا الأسطوري، استيقظتُ على ضوء الشمس المنعكس على مياه البحر الأبيض المتوسط من نافذة شقتي الجديدة في الإسكندرية.
كان الجو نقيًا، ورائحة اليود والملح تملأ الهواء. جلستُ على الشرفة أحتسي قهوتي بهدوء، بينما كان هاتفي المحمول على الطاولة بجانبي يشتعل بالاتصالات المتكررة والرسائل النصية المفزعة.
عشرات المكالمات الفائتة من يوسف.
ورسائل متباينة من أهلي وأصدقائي الذين كانوا يستعدون للذهاب إلى قاعة الاحتفال الكبرى في القاهرة
مريم! إنتي فين؟ الناس كلها متجمعة والعريس بيقول إنك مش في البيت!
يا بنتي ردي! إيه اللي بيحصل؟ يوسف مهبول بيدور عليكِ في كل حتة!
فتحت الهاتف أخيرًا، وتحديدًا تطبيق المراسلة، حيث كانت رسالة يوسف الأخيرة قبل دقيقتين تحمل كل علامات الصدمة والاڼهيار
مريم أنتي فين؟ البيت فاضي، وكل هدومك مش موجودة سارة بتقول إنكِ عرفتي كل حاجة أرجوكِ ردي، تعالي نتفاهم، الفرح بعد ساعات والأهل كلهم هنا!
تأملت الكلمات ببرود شديد، ثم كتبت ردي الأخير، الرد الذي أختم به أربع سنوات من الخداع والأعذار الواهية
يوسف، الكرسي الفاضي اللي استنيتك عليه في المحكمة من ثلاث أسابيع كان بيبعت لي نفس الرسالة اللي بعتهالك دلوقتي إحنا مش هنكمل. ارفع الهاتف وقول لأهلي والناس اللي تحت إن العروسة مش جاية، ولما تسألك سارة عن السبب، قولها إن بعض الحاجات بتنكسر للأبد لأنها اتصنعت من زجاج مغشوش من الأول. مع السلامة، دكتورة مريم عبدالسلام.
ضغطت على زر الإرسال، ثم أغلقت الهاتف تمامًا وألقيته في درج المكتب.
الفصل الرابع بداية الجراحة الحقيقية
مرت الشهور الأولى في الإسكندرية كأنها سنوات من إعادة البناء والترميم.
في مركز النيل الطبي المتقدم، وجدتُ بيئتي الحقيقية؛ عمل شاق، أبحاث متقدمة، وغرف عمليات لا ترحم المترددين، لكنها تُنصف الذكي والصارم. لم يعد هناك مكان للأعذار الواهية أو العمليات الوهمية التي يختلقها البعض للهروب من المسؤوليات. هنا، كل چرح يحتاج إلى خياطة دقيقة، وكل قرار يمكن أن يعني الفارق بين الحياة والمۏت.
بعد مرور ستة أشهر كاملة، وصلتني أخبار عرضية من القاهرة؛
يوسف وسارة حاولا إتمام زواجهما، لكن العلاقة اڼهارت بعد أسابيع قليلة وسط اټهامات متبادلة وفضائح عائلية، بينما استمر هو في البحث عن طريقي أو محاولة إرسال وسطاء لإقناعي بالعودة أو على الأقل الاستماع لتبريراته. لكن الأبواب أُغلقت تمامًا وضاعت المفاتيح في قاع البحر.
في ليلة خريفية هادئة، كنت أقف في شرفتي مُطلة على الكورنيش، أراقب أمواج البحر وهي ټضرب الصخور بقوة وثبات. لم يعد في قلبي أي مرارة، بل شعور عميق بالامتنان لذلك الكرسي الفارغ في محكمة وسط القاهرة؛
ذلك الكرسي الذي أنقذ ما تبقى من روحي، ومنحني الشجاعة لأرتدي أخيرًا، ليس فستان زفاف مزيف، بل رداء الجراحة الذي يليق بي حقًا.