الساعة كانت 457 عصر يوم الجمعة، والكرسي الفاضي اللي جنبي قال لي أخيرًا الحقيقة اللي أربع سنين من الأعذار ماقدرتش تقولها لي
الراجل اللي المفروض أتجوزه ماكانش متأخر هو اختار إنه ما يجيش.
كانت دي تالت مرة يسيبني فيها يوسف مستنيّاه في المحكمة، لكن المرة دي، وهو فاكر إني هسامحه زي كل مرة، أنا بهدوء قررت إن مفيش مرة رابعة.
اسمي مريم عبدالسلام، وكنت قاعدة تحت لمبة فلورسنت بتزن فوق دماغي، لابسة فستان أزرق فاتح، يوسف كان دايمًا بيقول إن لونه بيخلّي عينيّا تبان أحلى.
من ورا شبابيك المحكمة، كانت شوارع وسط القاهرة باينة كأنها معدن مبلول، والمطر بينزل على الإزاز، وفي مكان ما في آخر الممر، كان فيه عرسان جداد بيضحكوا وهم لسه خارجين من المحكمة.
ورقة الجواز كانت على رجلي جوه ملف، متوقعة ومختومة، ومستنية بس آخر خطوة عشان تبقى الأربع سنين اللي فاتوا من الوعود حقيقة رسمي.
موظفة كبيرة في السن، كانت جابت لي مية مرتين قبل كده، قربت مني وهي بتستعد تقفل المكتب.
دكتورة مريم، خطيب حضرتك لسه جاي؟
بصيت على موبايلي للمرة الأخيرة.
آخر رسالة من يوسف، اللي بعتها الساعة 912 الصبح، كانت لسه قدامي
أنا خارج من المستشفى دلوقتي عشرين دقيقة وأكون عندك.
عدّى تمان ساعات.
أول مرة يوسف ماجاش فيها على ميعادنا، قال إن حصلت حالة طارئة في المستشفى.
المرة التانية، قال إن واحد من الأطباء المتدربين اللي شغالين معاه اتعرض لحاډثة على الطريق.
أما الصبح ده، وهو بيدور على مفاتيحه، باسني على جبيني وقال وهو بيضحك
المرة التالتة إن شاء الله تظبط.
بصيت للموظفة وقلت
مش هييجي.
الغريب إني ما انهرتش.
أنا دكتورة جراحة، وعارفة كويس إن في إصابات معينة ما بنحسش بۏجعها غير لما الضرر يكون وصل لمرحلة عميقة جدًا.
رجعت الورق اللي ما استخدمناهوش، وخرجت أمشي وسط مطر القاهرة.
لكن بدل ما أرجع لشقتنا في الزمالك، ركبت تاكسي وروحت على طول لمستشفى النيل التخصصي.
من تلات شهور، كنت اتعرض عليّا تدريب جراحي متقدم لمدة 3 سنين، مع فرصة إني أبقى ضمن هيئة التدريس في مركز طبي كبير في الإسكندرية.
الفرصة دي كانت ممكن في المستقبل تخليني مسؤولة عن وحدة متخصصة في جراحات المناظير المعقدة.
لكن كنت ناوية أرفضها
عشان يوسف كان رافض تمامًا إنه يسيب القاهرة.
المساء ده، وقّعت على أوراق القبول.
لما يوسف رجع البيت بعد الساعة عشرة، حط كيس صغير أزرق فيه علبة هدية على رخامة المطبخ.
حصلت حاجة في المستشفى ودي عشان أعوضك عن النهارده. هنحدد ميعاد تاني.
ما سألنيش أنا استنيته قد إيه.
وماخدش باله حتى إني لسه لابسة فستان الفرح.
بعد ما دخل ياخد دش، فتحت الفيديو اللي سارة منصور كانت بعتهولي العصر.
سارة كانت زميلة يوسف القديمة
والست اللي طول عمري كنت حاسة إنها الحب اللي عمره ما قدر يخلص منه.
في الفيديو، كانت
سارة قاعدة، وجاكيت يوسف على كتافها.
بصت له وقالت بصوت واطي
إنت بجد ناوي تتجوز مريم؟
يوسف ما ردش.
قربت منه وقالت
إنت عارف إنك عمرك ما حبيت حد غيري.
وبعدين قربت منه وباسته.
يوسف اتردد أقل من ثانية
وبعدها شدّها ناحيته.
كان فاضل تلاتين يوم على الفرح الرسمي، الفرح اللي أهلي كانوا بالفعل دافعين عربونه وحاجزين كل حاجة عشانه.
في الليلة دي، وقفت قدام تقويم العد التنازلي.
شطبت رقم 30.
وكتبت مكانه 29.
مش 29 يوم لحد ما أتجوز يوسف
لكن 29 يوم لحد ما أختفي من حياته.
على مدار أسبوعين، خلصت في السر كل إجراءات نقلي، ورخصة مزاولة المهنة الجديدة، وأوراق المستشفى، والسكن، وكل ترتيبات سفري.
وبدأت آخد حاجتي من البيت واحدة واحدة.
ويوسف
ماخدش باله من أي حاجة.
لحد يوم الأربعاء بعد الظهر، وأنا قاعدة براجع أشعة واحدة من الحالات اللي عندي، موبايلي رن.
آنسة مريم؟ أنا من محل فساتين الزفاف
صوت الموظفة كان متوتر جدًا.
خطيب حضرتك هنا ومعاه واحدة صاحبته، وعايزين يقارنوا شكل فتحة فستان الفرح مع البدلة بتاعته. ممكن حضرتك تيجي؟
إيدي اتجمدت وهي ماسكة الموبايل.
يوسف عمره ما اهتم بفستان الفرح.
وكان فيه ست واحدة بس ممكن أتخيل إنها تقف جنبه وهو بيعاين الفستان اللي المفروض ألبسه يوم ما أتجوزه
صوت الموظفة عبر الهاتف كان يحمل ارتباكًا لم تستطع إخفاءه، وكأنها تقف على حافة بركان وتنتظر لحظة الانفجار.
سكتُّ لثوانٍ معدودة، كان صوت دقات قلبي فيها أشبه بطبول حرب قديمة تُقرع في صدر سرداب مهجور، لكن نبرة صوتي خرجت هادئة، باردة كجليد القطبين
شكرًا لإنك اتصلتِ بي.
بس الفستان، وكل ما يخص اليوم ده، بقى ملكِ الماضي. اتصرفوا فيه زي ما تحبوا.
قفلت الخط قبل ما أسمع أي استفسار إضافي. لم أمنحها فرصة لقول جملة تعاطف مكررة، ولم أسمح لنفسي بابتلاع طعم الإهانة الذي كان يملأ الحُجرة. في تلك اللحظة، أدركت أن الألم لم يعد حارقًا؛ بل تحول إلى برودة حاسمة، إلى سکين جراح دقيقة تعرف تمامًا أين تقطع لتزيل الورم من جذوره.