أنا دلوقتي شغال أوفيس بوي ومندوب مبيعات بسيط في شركة صغيرة في ضواحي الجيزة.
بركب الاتوبيس كل يوم الصبح، بشتغل 12 ساعة عشان أقدر أوفر مصاريفي اليومية وأدفع إيجار الأوضة اللي عايش فيها.
مراتي التانية هدى؟
سمعت إنها اتجوزت رجل أعمال كبير بعد قتضيتها بأسبوعين.. مسحتني من ذاكرتها وكأنها ما عرفتنيش في يوم من الأيام.
وأمي؟
بروح أزورها كل يوم جمعة في دار الرعاية بالتجمع.
أمي أكلها وشربها وعلاجها منتظم، الدكتور بيقول إن حالتها الصحية تحسنت كتير.
أمي بتقعد معايا في الجاردن بتاعة الدار، بتتكلم معايا بحنان الأم، بس عينيا دايماً بتشوف النظرة اللي بتفكرني بالأصل: إن اللي بيدفع ثمن الأمان ده كله.. هي منى.
أما منى..
طارق بيكلمني مرة كل بضعة أشهر، مكالمة رسمية مدتها دقيقة واحدة فقط.
آخر مكالمة كانت من شهر.
ـ ألو يا طارق؟ منى عاملة إيه؟
طارق رد بصوت هادي، صوت خالي تمامًا من أي غضب، وده كان أصعب من الغضب نفسه:
— منى خفت يا أحمد. الورم اتأصل تماماً، وأنجزت أول مرحلة من العلاج الفيزيائي، ورجعت لشغلها في ألمانيا وبقت شريكة في دار ترجمة كبيرة هناك.
دموعي نزلوا بهدوء:
— الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. هي.. هي افتكرتني أو سألت عني؟
طارق سكت لحظة، وبعدين قال بكل برود:
— لأ يا أحمد. منى نسيت اسمك أصلاً. دكتور التخاطب النفسي هناك قال إنها مسحت الأربع سنين الأخيرة من حياتها كأنهم ما حصلوش. منى عايشة حياتها بابتسامة جديدة، وروح جديدة، وكأنك كنت مجرد عَرَض جانبي لمرض وهي خفت منه بالكامل.
الخط اتقفل.
قعدت على الأرض في الأوضة السطوح، التليفون في إيدي، وصوت الهواء بيلعب في الشباك المكسور.
بصيت لإيديا المتربة من الشغل..
وافتكرت الساعتين اللي اشتريتهم بـ 120 ألف جنيه عشان أرضي غروري.
افتكرت الخيانة، والكدب، والتكبر اللي كان عميني.
أنا دلوقتي حر.. بره السجن، بتنفس، وبمشي في الشارع.
بس الحقيقة؟
أنا مسجون جوه زنزانة مالهاش قضبان.. زنزانة اسمها “الندم”.
كل ليلة، لما بحط راسي على المخدة القاسية، بفتكر كلمتها الأخيرة:
“أنا بس قفلت عليه الباب.. وسيبته جوه.”
وفعلاً.. منى قفلت الباب على حياتي القديمة، وراحت تعيش حياتها..
وأنا فضلت جوه القبر اللي بنيته بإيديا، بعاني كل يوم، وعارف إن أشد أنواع العقاب.. مش إنك تتسجن، العقاب الحقيقي إنك تعيش حُر..
وأنت عارف إنك ما تستاهلش الحياة!