منوعات

حكم طلاق ج2 منى السيد

الخط اتقفل.
قعدت على الكنبة المكسورة في الصالة.
أمي كانت بتبص لي بنظرة وداع..
وهدى كانت في النيابة بتلبس القضايا اللي أنا السبب فيها..
ومنى كانت في ألمانيا، بتشفى من المرض، وبتغسل إيدها مني للأبد.
والباب.. الباب خبط تاني.
المرة دي.. كانوا رجال البنك جايين يحطوا الشمع الأحمر على باب الشقة.
هل سيتنازل أحمد عن كبريائه ويستسلم للسجن، أم أن هناك سرًا آخر لم يكشفه طارق بعد عن ق\ضية التمويل؟ هل تريد استكمال الجزء الرابع والأخير؟
الشمع الأحمر اتثبت على باب الشقة.
صوت الخبط بالشاكوش على الخشب كان زي دقات طبول الجنازة.

المحضر حط ختم الدولة على الباب بعد ما خرجنا أنا وأمي للشارع.
كنت واقف في مدخل العمارة، إيد شايلة الشنطة الوحيدة اللي سمحوا لنا نطلع بيها من الهدوم الشخصية، والإيد التانية ماسكة مقبض الكرسي المتحرك اللي قاعدة عليه أمي.
الشارع كان زحمة، الناس رايحة وجاية، والشمس بدأت تغرب وتبعت أشعة حمرا باهتة على الوشوش. محدش كان داري بالخراب اللي جوه صدري.
عربية إسعاف خاصة وصلت بعد نص ساعة.
نزل منها ممرضين ببالطو أبيض، معاطفهم نظيفة ووشوشهم مبتسمة بهدوء. اتعاملوا مع أمي بكل احترام وأدب، رفيعوها بالكرسي وركبوها العربية.

أمي بصت لي من شباك العربية، عينيها كانت مليانة كلام كتير.. كلام عتاب، ورحمة، وحزن مش ينتهي.
— مش هتيجي معايا يا أحمد؟
صوتها كان ضعيف، طالع بالعافية مع صوت موتور العربية.
قربت من الشباك، بست إيدها المحاطة بالأوردة الزرقا، وقلت بصوت مخنوق:
— مش ينفع يا ماما.. طارق اشترط كده. إنتِ رايحة مكان أنضف بكتير، مكان هيهتموا بيكي وبأدويتك صح.. المكان اللي منى اختارتهولك.
أمي سحبت إيدها ببطء، وغطت وشها:
— ربنا يهديك يا ابني.. ربنا يسامحك على اللي عملته في نفسك وفينا.

العربية تحركت، وأنا فضلت واقف في الشارع لحد ما إشارات العربية الاختفت في وسط زحمة القاهرة.
في اللحظة دي، بقيت لوحدي تمامًا.
ما بقاش معايا غير شنطة هدوم، وتليفون مكسور الشاشة، وميعاد مع النيابة كمان بكرة الصبح لورود قرار الضبط والإحضار، وبقايا رجل كان فاكر نفسه سيد القرار.
مشيت في الشوارع بغير هدى.
كل خطوة كانت بتفكرني بمنى.
هنا كنا بنشتري مستلزمات البيت.. هنا قعدنا في كافيه صغيّر أول سنة جواز ونضحك على طموحاتنا البسيطة.. هنا هي وقفت في البرد عشان تستناني لما تليفوني فصل وشحني فضي.

كانت دايماً الست اللي بتغطي عيوبي، الست اللي بتشيل عني الهم قبل ما أحس بيه. وأنا؟ أنا كافأتها بإني دورت على “هدى”.. دورت على القشور والرخص والمظاهر الكدابة!
ساعاتي مرت زي الكابوس.
قضيت الليل على بنش في حديقة عامة قريبة من شقتنا القديمة. ما قدرتش أنام ولا لحظة. البرد كان بياكل في عظيمي، بس البرد اللي جوه قلبي كان أشد وألعن.
أول ما الشمس طلعت، أخدت نفسي ومشيت على رجلي لمقر النيابة العامة.
كنت عايز النهاردة يخلص.. أي حتة، أي سجن، أرحم من الحبس اللي أنا عايشه جوه دماغي.
دخلت المجمع القضائي.

الزحمة والوشوش المتوترة، صوت الكلبشات وصوت المحامين وهم بيجروا بالملفات.
قعدت في الممر المظلم قدام مكتب وكيل النيابة، مستني دوري.
بعد ساعتين، العسكري ندى باسمي:
— المتهم أحمد محمود!
قمت وقفت، عدلت قميصي المجعد، ودخلت.
النيابة كانت غرفة واسعة، وكيل النيابة قاعد ورا مكتبه وجمبه ملفات ضخمة، وعلى الكرسي اللي قباله.. كانت قاعدة هدى!
هدى كانت شكلها متبهدل تمامًا.
النظارة الشمسية تختفي، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد رهيب. كانت بتعيط بإنهاك، ومعاها محامي بيحاول يهدّيها.
أول ما شافتني، قامت وصرخت:
— أهو جه يا باشا! هو ده اللي ضحك عليا!

هو ده اللي خد الساعات ودبسني في المصيبة دي! أنا ماليش دعوة بشركته ولا بفلوس مراته!
وكيل النيابة خبط على المكتب بصرامة:
— اقعدي يا مدام! مش عايز صوت!
هدى قعدت وهي بتبص لي بنظرة كره وغل صافي.
نفس العيون اللي كانت بتبص لي بحب مزيف لما كنت بشتري لها الهدايا، بقت دلوقتي شايفاني الشيطان اللي دمر حياتها.
وكيل النيابة بص لي وسأل بجمود:
— أنت المتهم أحمد محمود؟
— أيوه يا فندم.

— المذكورة هدى عبد الملك مقدم ضدها بلاغ بالتستر والمشاركة في التصرف في أموال مرهونة للبنوك، والساعات اللي ضبطت معاها ثمنها 120 ألف جنيه مسحوبة من الحساب الجاري الموقوف لشركتك. إيه أقوالك؟
قربت من المكتب، وبصيت لوكيل النيابة بثبات خالي من أي خوف:
— يا فندم.. الأستاذة هدى مالهاش أي علاقة بأي شغل أو حسابات. أنا اللي اتجوزتها في السر، وأنا اللي خبيت عليها إن شركتي مديونة وبتفلس، وأنا اللي اشتريت الساعات دي من حساب الشركة عشان أثبت لها إني مقتدر. هي ما كانتش تعرف مصدر الفلوس، ولا تعرف إن الحساب مرهون.

أنا المسؤول المسئولية الكاملة عن كل قرش اتصرف، ومستعد لأي عقوبة.
هدى بصت لي بصدمة، محاميها اتنفس براحة وبدأ يكتب أقواله بسرعة.
وكيل النيابة بص لي بنظرة تفحص، وبعدين قلّب في الورق قدامه:
— كلامك ده معناه اعتراف صريح بالتبديد والتصرف في أموال محجوزة إدارياً، وده يحطك تحت طائلة عقوبة السجن المشدد.
ـ أنا جاهز لأي حكم يا فندم.
وكيل النيابة سكت لحظة، وبعدين مسك ورقة بيضا كانت محطوطة على جنب، وقال بنبرة هادية غريبة:
— بس فيه حاجة جديدة دخلت الق\ضية الصبح ده.
رفعت راسي باستغراب:
— حاجة إيه يا فندم؟

فتح الملف وطلع منه إقرار رسمي معتمد من الشهر العقاري، وتنازل قانوني صريح:
— الأستاذ الأستاذ طارق عبد الرحمن، بصفته موكلاً عن السيدة منى عبد الرحمن، قدم للنيابة من ساعة واحدة تنازل رسمي عن الشق الجنائي في بلاغ التبديد الموجه ضدك وضد المتهمة التانية.. بعد ما تم سداد كامل المبلغ المستحق للبنك والمرتبط بالساعات والمشتريات الشخصية من حسابها الخاص.
اتسمرت في مكاني.
ريقي جف تمامًا:
— سددت الفلوس؟! منى سددت المية وعشرين ألف جنيه؟!
وكيل النيابة هز راسه بإيجاب:
— أيوة. الأستاذ طارق سدد المبلغ للبنك، وفك الحجز الجنائي عن الق\ضية دي بالذات.

وبناءً عليه، النيابة قررت إخلاء سبيل المتهمة هدى عبد الملك بضمان محل إقامتها، وإخلاء سبيلك أنت كمان من الشق الجنائي ده.. لكن يتبقى عليك القضايا المدنية الخاصة بالشركة والمزاد العلني لبيع الشقة والشركات لسداد باقي الديون.
هدى قامت تنط من الفرحة، محاميها أخدها وخرجوا بسرعة من الأوضة من غير ما تبص لي حتى بصة واحدة، ولا تقول كلمة شكر واحدة!
خرجت زي القطة اللي هربت من المصيدة، وسبتني واقف قدام وكيل النيابة، مش قادر أستوعب الحقيقة.
منى.. منى اللي أنا خنتها وبعتها.. أنقذتني من السجن!
أنقذت هدى من الحبسة!

أنقذتنا من الفضيحة بالفلوس اللي كانت هي أولى بيها لعلاجها!
سألت وكيل النيابة بصوت بيرتعش:
— ليه يا فندم؟ هو طارق ساب أي جواب أو سبب للتنازل ده؟
وكيل النيابة طلع ورقة صغيرة مرافقة للتنازل، وقال:
— الأستاذ طارق أرفق الملاحظة دي مع التنازل، وقال إنها وصية السيدة منى قبل ما تدخل العناية المركزة.
مسكت الورقة بكتف متراخي وإيد بترتجف.
كان خط طارق، كاتب فيه جملة واحدة نقلاً عن منى:
“أنا ما سددتش الفلوس عشان أنقذك من السجن يا أحمد..

أنا سددتها عشان ما يبقاش ليك عندي أي فضل ولا يبقى بيني وبينك أي دين في الدنيا ولا في الآخرة. سددت الفلوس عشان أقطع آخر فتلة كانت ربطاني بيك، وأسيبك بره السجن.. عشان الشارع والمزاد والفقر والندم يعملوا فيك اللي السجن مش هيعرف يعمله.”
نزلت الورقة من إيدي.
النيابة أنهت الإجراءات، وخرجت للشارع مرة تانية.
بعد أسبوع واحد..
قفت في الشارع تحت العمارة القديمة.
كان فيه لافته كبيرة متعلقة على الباب الرئيسي: “شقة للبيع بالمزاد العلني بأمر المحكمة”.
المزاد بدأ، والمشترين والتجار اتجمعوا في الصالة المكركبة اللي شهدت على كل أيامي مع منى.

كنت واقف في الزاوية، شايف الناس بتتفرج على الدواليب الفاضية، على الصالون اللي قعدنا عليه، على الحيطان اللي منى اختارت ألوانها بنفسها.
كل حاجة في حياتي كانت بتباع بأرخص الأسعار قدام عينيا.
الشركة راحت، الشقة اتباعت، العربيات اتحفظ عليها، والحسابات اتصفرت.
وبعد ما المزاد خلص والناس مشيت، خرجت من العمارة وأنا معاييش غير هدومي ورصيد بسيط في جيب البنطال لا يكفي غير إيجار أوضة صغيرة فوق سطوح في منطقة شعبية.
بعد ست شهور..

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى