منوعات

حماتي وابني

مرّ شهرٌ آخر، وبدأت الأمور تهدأ قليلًا، وتستقرّ النفوس على مرارة الواقع. قرّر ابني وزوجته أن يُبقيا على صلةٍ حسنةٍ من أجل طفلهما، وأن يُربّياه معًا كأبٍ وأمّ، دون أن يجمعهما سقفٌ واحد. اتفقا على أن يظلّ السرّ محصورًا فينا، وأن يُعرفا بين الناس بصفة أخوين من رحم الأب، وأنهما اكتشفا القرابة بعد الزواج فآثرا الافتراق حفاظًا على الدين والشرف.
هذا التفسير كان مقبولًا لدى الناس بشكلٍ كبيرٍ، فسرعان ما توقفت الأقاويل، وتعاطف الجميع معهما، وذكروا لهما حكمةً وورعًا، واحترموا قرارهما بتقديم حكم الله على ما سواه. وبهذا حُفظت سمعتهما، وحُفظ شرف العائلة، ولم يُعرف أحدٌ حقيقة ما حدث.

ظلت حماتي تُعاني من وطأة ندمها، فقرّرت أن تُخرج الصدقات وتُقيم الذكرات وتُساعد المحتاجين، كفّارةً عما اقترفته من صمتٍ طويلٍ أدى إلى كل هذه المآسي. وذات يوم جمعتنا جميعًا، أنا وابني وزوجته، وقالت لنا بكل تواضعٍ ودموعٍ تملأ عينيها
لقد صمتُّ خوفًا من الڤضيحة ولم أدرِ أن الصمت كان جريمةً بحقكم. لو كنتُ تكلمتُ مبكرًا ما كان كل هذا الألم. أرجوكم سامحوني إن كان هناك عفوٌ عن خطيئتي.
قال لها ابني بكل رحابة صدرٍ وصفحٍ جميل
قد سامحناكِ يا جدّتي. فما حدث كان مقدّرًا، والله أعلم بحكمته.

ولو عرفنا مبكرًا لكان أمرًا غير هذا لكننا نؤمن بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. فلا تحمّلي نفسكِ فوق طاقتها.
بكت زوجته هي الأخرى وقالت
وأنا كذلك قد سامحتكِ. فأنتِ لم تقصدي إلا الخير، وإن أخطأتِ الطريق. والآن لنجعل ما حدث سببًا في أن نكون عائلةً مترابطةً أكثر من أي وقتٍ مضى، من أجل هذا الطفل من أجل المستقبل.
اتفقنا جميعًا على أن ننظر إلى المستقبل بصفحٍ وابتسامةٍ صادقة، وأن نُبقي على صلةٍ وثيقةٍ قوية، لا يقطعها شيء. فالقرابة التي اكتشفناها فرضت علينا واجباتٍ جديدة، وإن كانت أتت في ظروفٍ قاسيةٍ مؤلمة.

كبر الطفل الصغير، وبدأ يدرك ويسأل لماذا يعيش أبي وأمي في بيتين مختلفين؟ ولماذا يُقال لهما أخوان؟ فكنا نجيبه بجوابٍ نُراعي فيه سنه إن الظروف هي ما فرقت بينهما، لكنهما يظلّان أقرب الناس وأحبّهم إليه. واتفقنا على أن نُخبره الحقيقة حين يكبر ويشتدّ عوده، حين يصبح قادرًا على استيعابها وتحمّل مسؤوليتها،
وسيكون حينها أدرى بما يفعل.
أما ابني وزوجته فقد ظلاّ على وفاقٍ تام، يُشاركان في تربية ابنهما، ويقفّ كل منهما بجانب الآخر في الشدائد، وكما تعاهدا ظلاّ أخوين مخلصين، تجمعهما المحبة الصادقة والقرابة الوثيقة، وإن حُرمَا من ذلك النوع من الحبّ الذي كان يجمعُهما ذات يوم.

وعرفتُ في تلك الأيام أن الأسرار مهما طال زمنها لا بدّ أن تُكشف، وأن الحقائق وإن حُبست في أعماق الأرض ستظهر يومًا ما. وعرفتُ أن خوف الناس من الڤضيحة قد يُوقعهم في ما هو أشدّ منها، وأن الصدق وإن كان مؤلمًا في البداية فهو أمانٌ في العاقبة.
وظلّت حماتي تُردد دائمًا لو كنتُ تكلمتُ مبكرًا لو كنتُ تكلمتُ مبكرًا ليتعلّم الجميع أن الصمت عن الحقيقة قد يكون أشدّ وطأةً وأعظم وزرًا من الكلام وإن كان مرًا.
وهكذا انتهت قصّتنا بآلامٍ جمة، ودروسٍ عميقة، ومستقبلٍ نستقبله بقلوبٍ طهرتها المحڼ، وصفحتٍ جميلٍ عمّا سلف.

وما كان لنا أن نصمد أمام كل هذا لولا رحمة الله بنا، ثم ترابطنا وتآزرنا واتخاذنا الصدق سبيلًا حين انكشفت الحقائق.
فالحقّ يُعلي ولا يُعلى عليه وإن كان طريقه وعرًا طويلًا. والله يجمع بين الناس على التقوى والمحبة والخير مهما فرّقت بينهم الظروف والأزمان. وسيظلّ الأمل في قلوبنا لا يخبو فمع كل شدّة ميسّرة، ومع كل غمٍّ فرجًا قريبًا، وإن طال الزمن واشتدّ الألم.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى